مؤيد الدين الجندي

483

شرح فصوص الحكم

في عالم الحسّ ، كما مثّلت الجنّة للرسول في عرض الحائط ، وكتمثّل جبرئيل عليه السّلام في صورة دحية والبشر السويّ المذكور في القرآن . وتحريض الرسول على تمثيل الحق في حضرة الخيال ، بقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله في الثناء على العالمين العابدين له : « قد مثّلوني في أعينهم » إنّما هو إرشاد وترقية لهمّة العارف ، أن يرى ويشهد الحقائق والمعاني ظاهرة كفاحا ، فإنّ في قوّة الحقيقة الإنسانية ذلك ، فاعرفه . وقوله : « كأنّك تراه » استحضار لصورة المعبود بموجب المعتقد ، فإذا قوي الاستحضار وغلب الحال ، كان المعلوم مشهودا بالبصيرة ، وإذا كمل الشهود كان مشهودا بأحدية جمع البصر والبصيرة ، كما أشرنا إليه في الغرّاء الداليّة لنا : ومتّحد أبصارنا ببصائر لإبصار وجه الحق حقا حدائد * ( فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) * « 1 » وهذا أكمل ما في مقام الشهود ، أن يشهد الحق كما يشهد الحق نفسه ، يعني شهود الحق نفسه في نفسه بنفسه وبه فيه ، فافهم فإذا تحقّق العبد بهذا « 2 » المقام ، فهو الشاهد وهو المشهود ، وذلك أوّل مراتب الولاية ، فهذا المشاهد الشاهد وليّ الله والله وليّه . قال - رضي الله عنه - : « من قلَّد صاحب نظر فكري وتقيّد به ، فليس هو الذي ألقى السمع وهو شهيد ، فإنّ هذا الذي ألقى السمع ، لا بدّ أن يكون شهيدا لما ذكرنا [ ومتى لم يكن شهيدا لما ذكرناه ] ، فما هو المراد بهذه الآية ، فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم : * ( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا من الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) * « 3 » والرسل لا يتبرّؤون من أتباعهم الذين اتّبعوهم » . يشير - رضي الله عنه - إلى أنّ نتائج النظر العقلي تقييدية حاصرة للأمر فيما هو خلاف الواقع ، فإذا قلَّدهم مقلَّد لهم وألقى إليهم السمع ، فكأنّه لم يبلغ إلى العلَّة الغائيّة من التقليد وإلقاء السمع وهو الشهود ، لكون المشهود الموجود خلاف الحصر في معيّن

--> « 1 » ق ( 50 ) الآية 22 . « 2 » م : هذا المقام . « 3 » البقرة ( 2 ) الآية 166 .